نخبة من الأكاديميين

532

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

فيها ابنه إسحق ، وابن أخته حُبَيش وعيسى بن يحيى ، إضافة إلى الناسخَيْن : الأحول والأزرق « 1 » . نرى إذن أنّ هذا النوع الجديد من المترجِمين ، لا يتميّز فقط بمتطلّبات التكوين اللغوي والعلمي التي يلبّي ، إنّما أيضاً بمهمّاته الجديدة : البحث في العربيّة العلميّة وفي العلم ، في آنٍ واحد . وفي الواقع ، حصلت عمليّة تحوّل تدريجي ومستتر على امتداد ذلك القرن ، أكّدت أمراً كان برعماً في عصر حنين بن إسحاق ، وهذا الأمر هو التحوّل من " المترجِم - العالِم " إلى " العالِم - المترجِم " . هذه هي المسافة النوعيّة التي تفصل حنين عن ثابت بن قرّة ( المتوفّى عام 901 م ) . د . المرحلة الثالثة من مراحل الترجمة : من المترجِم - العالِم إلى العالِم - المترجِم . ثابت بن قرّة ، أحد أكبر علماء الرياضيّات لا في الاسلام فحسب وإنّما عبر كلّ العصور ، بدأ حياته صرّافاً . كانت السريانيّة لغته الأم ، وعمل على إتقان اليونانيّة والعربيّة بما يكفيه ليترجم في الفلك وفي الرياضيّات والفلسفة . وقد كانت مواهبه ومعارفه اللغويّة ، سبباً لأن " يكتشفه " محمّد بن موسى وهو عائد من بعثة للبحث عن مخطوطات في الإمبراطوريّة البيزنطيّة ، في بلده الأم حرّان ( أو في قرية من الضواحي ، كفر توثا ) ولأن يصطحبه معه إلى بغداد . في بغداد استقبله محمّد بن موسى في منزله الخاص ؛ وحصل ثابت على تكوينه الرياضي برعاية الأخوة الثلاثة ، وخاصّة أصغرهم ، عالم الرياضيّات الفذّ ، الحسن . وبعد أن أتمَّ تكوينه ، قام ثابت بن قرّة بترجمة عدد هائل من المؤلّفات الرياضيّة اليونانيّة ، منها " في الكرة والأسطوانة " لأرخميدس والكتب الثلاثة الأخيرة من " المخروطات " لأبولونيوس ( وهي اليوم مفقودة باليونانيّة ) ، و " المدخل إلى علم العدد " لنيقوماخوس الجرشي . وراجع عدداً كبيراً من الترجمات ، منها ترجمة " أصول " أقليدس وترجمة " المجسطي " لبطلميوس . وأخيراً قام ثابت بتأليف العديد من الأعمال في علم الفلك وفي الرياضيّات ، وهي مؤلّفات على قدر من الأهميّة ، جعَلها عمليّاً تُزيح إلى المرتبة الثانية ، أعمالَه في الترجمة رُغم أهميّتها . بين المترجِم - العالِم مثل حنين بن إسحاق ، والعالِم - المترجِم مثل ثابت بن قرّة ، تتموضع فئة وسيطة ، إن جاز التعبير ، كانت تتكوَّن من مترجِمين بارزين ، ذوي تكوين علمي واسع وصلب . من هؤلاء ابن حنين بالذات ، إسحق بن حنين ( المتوفّى عام 911 م ) وقسطا بن لوقا ( المتوفّى في بداية القرن العاشرم ) . يبقى أن نشير إلى أنّ هذه المرحلة الجديدة من الترجمة ، شهدت تغييراً في متطلّبات التكوين ، وحتّى في معايير فِعل الترجمة بالذات ، وتمتيناً إلى الحدّ الأقصى للصلات بين البحث العلمي والفلسفي وبين الترجمة . كلّ ذلك شكّل عوامل ، ولَّدت نشاطاً غير مسبوق ، لحظناه مع ثابت ، هو مراجعة الترجمات القديمة ، أو تلك التي قام بها من لم يكن اختصاصيّاً في المجال العلميّ الذي ترجم فيه . . II الترجمة والبحث : جدليّة متعدّدة الأشكال . أن ننسى البحث العلمي والفلسفي ، يعني أن نحكم على أنفسنا بعدم فهم أيّ شيء عن حركة الترجمة من اليونانيّة إلى العربيّة . فالبحث العلميّ والفلسفيّ هو الذي كان الضوء الهادي في عمليّة

--> ( 1 ) المرجع نفسه ، ص 260 - 270 .